كثير من الآباء يعتقدون أن طول الابن أو قصره يرتبط بالعامل الوراثي وحده؛ بأن يكون طول الطفل مثل الآباء أنفسهم أو الخال والعم أو الأجداد، وبالتالي يرغبون في أن يصل أطفالهم إلى الطول المثالي المنتظر، في حين يؤكد العلماء بأن هناك بعض العوامل البيئية الغذائية والتربوية قد تسبب قصر قامة الطفل أيضاً، ولكن لا توجد إحصاءات دقيقة أو نسب مئوية ثابتة وراء أسباب التقزم -قصر القامة- حيث تشير التقديرات الطبية إلى أن العوامل الجينية والوراثية تستحوذ على النصيب الأكبر بنسبة تتجاوز 60 إلى 80 بالمائة، وتتوزع النسبة الباقية بين العوامل المرضية والغذائية والأسرية والبيئية. ويُشخص هذا التقزم طبياً عندما يكون طول الطفل أقل مقارنة بأقرانه في العمر نفسه.
اللقاء والدكتورة سامية محروس أستاذة طب الأطفال للتعريف بـ"أسباب قصر قامة الطفل"، وتأثير العادات اليومية وأسلوب التربية، خاصةً في ما يتعلق بالنشاط البدني وأسلوب العقاب أو النظام الغذائي المُتبع، كل بأسلوب سهل وواضح.
أسباب قصر القامة

نقص هرمونات النمو أو اضطرابها أو مشاكل الغدد: مثل نقص هرمون النمو، أو قصور الغدة الدرقية؛ إذ يسهمان في جزء ملحوظ من حالات قصر القامة غير الوراثي.
سوء التغذية والأمراض المزمنة: هذا النقص يُعَد عاملاً بيئياً بارزاً يعوق النمو الطبيعي؛ حيث تؤدي الأنظمة الغذائية التي تفتقر إلى العناصر الأساسية، أو الأمراض المزمنة كأمراض الجهاز الهضمي والقلب والكُلَى؛ إلى تأخر نمو الطفل.
عادات قد تجعل الطفل قصير القامة

قد لا يؤثر النظام الغذائي وعادات الطفل وأنشطته اليومية بشكل مباشر في طوله، إلا أن تأثيرها في النمو قد يظهر على المدى الطويل، فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل نادراً ما يتناول طعاماً مغذياً؛ فقد لا يحصل على العناصر الغذائية مثل الكالسيوم والبروتين وفيتامين "د" وفيتامين "أ" والكربوهيدرات وما إلى ذلك التي تُعتبر ضرورية لنمو الطفل، وهناك عادات سيئة أخرى تؤثر في هذا النمو مثل:
عادة شرب الكثير من الشاي:
يجب تجنب تقديم هذه المشروبات، خاصةً عند تناول الطعام في الخارج؛ وذلك لأن الشاي يحتوي على الكافيين؛ ما قد يزيد نشاط الأطفال ويزيد من صعوبة نومهم. وفي المقابل يحتاج الأطفال إلى نوم كافٍ في أثناء نموهم وتطورهم، إضافة إلى أن الكافيين قد يمنع دماغ الطفل من امتصاص الحديد الذي يحتاجه الجسم؛ لذلك ينبغي للأمهات توفير مكملات الحديد الإضافية لأطفالهن.
عادة الإفراط في استهلاك الأحماض الأمينية:
يُعتقد أن الاستهلاك المتكرر والمفرط للأحماض الأمينية، يُشكل خطراً على نمو الأطفال، ويلعب هرمون البروتين الذي تنتجه الغدة النخامية "ويسمى أيضاً هرمون النمو" دوراً مهماً في نمو طول الطفل، ولكن هناك عدة عوامل تؤثر في إنتاج هرمون النمو، منها التغذية والتوتر وممارسة الرياضة. ومع ذلك، فإن العامل الأهم لدى الأطفال هو النوم؛ فالفترة الأكثر كثافة لإنتاج وإطلاق هرمون النمو مباشرة تكون بعد بداية النوم العميق.
عدم ممارسة النشاط البدني:
- في عصر التقدم التكنولوجي، غالباً ما يختار الآباء مشاهدة التلفزيون أو الهواتف الذكية لتهدئة أطفالهم؛ فغالباً ما يجلس الأطفال أمام التلفزيون، ما يتيح لهم الاستمتاع بالترفيه على الشاشة المسطحة.
- قومي بالحد من وقت استخدام طفلك للشاشات؛ لأن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى كسل وخمول، ما قد يؤثر سلباً في نموه البدني.
- احرصي قدر الإمكان على أن يقوم طفلك بممارسة الرياضة كنشاط بدني يومي منتظم، لتحسين نمو طوله، ومن أمثلة هذه الأنشطة: القفز بالحبل، والسباحة، والتمدد، والتعليق، وغيرها.
عادة جلوس الطفل أو وقوفه بشكل خاطئ:

لا تستهيني بأهمية الحفاظ على طريقة وقوف وجلوس طفلك؛ فهي ضرورية أيضاً لنمو طول الطفل، فعلى سبيل المثال، عند الجلوس أو الوقوف يمكن لطريقة جلوس طفلك أن تؤدي إلى زيادة انحناء العمود الفقري، وبالتالي تقليل الطول، إلا أنه في المقابل يمكن علاج ذلك من خلال بعض التمارين ومحاولة منع طفلك من الانحناء، ويجب التأكد من أن عموده الفقري مستقيم دائماً للحفاظ على طوله. أما قصر القامة الناتج عن أسباب طبية؛ فيتطلب بالضرورة تشخيصاً وعلاجاً متخصصاً تحت إشراف طبيب.
قلة تناول الماء:
يُعَد الحفاظ على استقرار عملية الأيض أمراً بالغ الأهمية لضمان نموٍ مثاليٍ للطفل. ومن العادات التي قد تعوق وظيفة الأيض قلة تناول الماء؛ لذا يجب الحرص على تلبية احتياجات طفلك اليومية من الماء قدر الإمكان، وتجنُّب الإفراط في تناول المشروبات السكرية؛ فالسكر يؤثر بشكل مباشر في مستويات الأنسولين، التي قد يؤدي ارتفاعها إلى تقليل قدرة الجسم على النمو.
الإفراط في تناول الوجبات السريعة:
على الرغم من كونها عادة مفضلة لدى معظم الأطفال؛ فإن الوجبات السريعة والأطعمة سريعة التحضير تفتقر إلى العناصر الغذائية، وبالتالي لا يمكنها دعم النمو المثالي للطفل، كما أن التناول المتكرر للوجبات السريعة يحمل أيضاً خطر التسبب في العديد من المشاكل الصحية؛ مثل السمنة والسكري، إضافة إلى احتوائها على المواد الحافظة التي يسبب تناولها على المدى الطويل، في التأثير في نمو عظام الطفل.
التقزم أو "قصر القامة الشديد":
يتم اكتشافه عادة في السنوات الأولى من العمر. العلامات الأساسية تتضمن قصر الطول الملحوظ مقارنة بالأقران، بطء معدل النمو "5 cm أو أقل سنوياً بعد عمر السنتين"، بالإضافة إلى أعراض جسدية تشخيصية.
أبرز العلامات الجسدية لتقزم الطفل

هناك عوامل نفسية واجتماعية حادة يمكن أن تؤدي مباشرة إلى تقزم الطفل وتوقف نموه الجسدي. تُعرف هذه الحالة طبياً باسم التقزم النفسي الاجتماعي "Psychosocial Dwarfism" أو "قصر القامة النفسي"، وهو اضطراب نمو حقيقي ينتج عن التعرض لضغوط عاطفية وبيئية قاسية تظهر في:
- قصر الأطراف "الذراعين والأرجل" مع بقاء حجم الجذع ضمن النطاق الطبيعي.
- كبر حجم الرأس بشكل ملحوظ مقارنة بالجسد، تسطح جسر الأنف، وبروز مقدمة الرأس والفك.
- تقوس الأرجل، صغر حجم القدمين والكفين، وتزاحم الأسنان لصغر الفك العلوي.
- يُعتبر الطفل مصاباً بالتقزم إذا كان طوله أقل بكثير من المعدل الطبيعي بالنسبة لعمره ونوعه في مخططات النمو.
- تأخر في التطور الحركي للطفل، أو محدودية في حركة بعض المفاصل.
- قد يرافقه جفاف الجلد والشعر، والإمساك المستمر، وبرودة الأطراف.
- قد يصاحبه ضعف عام ونقص في طاقة الطفل.
هل اضطرب النمو من علامات تقزم الطفل؟ نعم، وتحدث الآلية الفسيولوجية للتقزم النفسي كالتالي:
- تثبيط هرمون النمو: عندما يتعرض الطفل لتوتر وخوف دائمين، يحفز الدماغ إفراز هرمونات القلق "الكورتيزول والأدرينالين"، هذا الارتفاع المستمر يمنع إفراز هرمون النمو بشكل طبيعي.
- اضطرابات الجهاز الهضمي والامتصاص: هرمونات التوتر المستمرة تُضعف كفاءة الجهاز الهضمي؛ ما يمنع جسم الطفل من امتصاص العناصر الغذائية الحيوية بفعالية حتى إن كان يتناول طعاماً كافياً.
أبرز العوامل النفسية والبيئية المسببة للتقزم
- "سوء التربية" والبيئة الأسرية السامة هما المسبب الرئيسي للتقزم النفسي الاجتماعي. ولا يُقصد بسوء التربية هنا الأخطاء التربوية العادية أو الصرامة، بل الممارسات العنيفة والإهمال الجسيم التي تدمر أمان الطفل النفسي وتؤثر مباشرة في وظائفه الحيوية.
- عندما يتعرض الطفل لأساليب تربوية قاسية، يفرز جسمه كميات هائلة من هرمونات التوتر "مثل الكورتيزول"، هذا الارتفاع المزمن يؤدي إلى وقف إفراز هرمون النمو تماماً، مهما كان غذاء الطفل سليماً.
- الإهمال العاطفي الشديد كتجاهل بكاء الطفل، وحرمانه من الأحضان واللمسات الحانية، ومعاملته كأنه غير مرئي.
- الترهيب والتهديد المستمر، وتتم باعتماد لغة التهديد الجسدي، أو التهديد بالتخلي عنه وطرده؛ ما يضع الطفل في حالة ذعر دائم.
- النقد الهادم والتحقير كوصف الطفل بالفشل، أو مقارنته الدائمة بغيره لتقليل شأنه؛ ما يدمر تقديره لذاته.
- استخدام الحرمان كعقوبة مثل حرمان الطفل من الطعام، أو حبسه في غرف مظلمة وضيقة كعقاب تربوي.
- التعرض للعنف الأسري حتى لو لم يُضرب الطفل مباشرة، فإن رؤيته لوالديه يتشاجران بعنف تخلق بيئة مرعبة توقف نموه.
أخطاء التربية ندباتٌ تلازم الأبناء ولا تختفي.. المشكلة والعلاج
أعراض وسلوكيات تصاحب التقزم النفسي
إلى جانب قصر القامة الملحوظ، غالباً ما تظهر على الطفل المصاب سلوكيات غريبة وغير مألوفة نتيجة الصدمة النفسية:
اضطرابات الأكل الغريبة: مثل نوبات الشره المرضي، أو إخفاء الطعام وتخزينه، أو تناول أشياء غير صالحة للأكل، وتناول الماء من مصادر غير نظيفة.
تأخر المهارات: بطء التطور الحركي، واللغوي، والاجتماعي مقارنة بالأطفال ذوي العمر نفسه.
مشاكل النوم والتبول: الأرق المستمر، والمشي في أثناء النوم، والتبول اللاإرادي.
للمزيد من المعرفة: مراقبة نوم مولودكِ ضرورةٌ تكشف عن مشاكل صحية مبكرة
هل يمكن علاج التقزم النفسي؟

التغذية الصحية: بأن يتضمن نظام الطفل الغذائي مجموعة متنوعة من الأطعمة، بجانب البروتين الحيواني لأهميته في دعم نمو طول الأطفال.
التحفيز النفسي والاجتماعي: يمكن أن يحسن نوعية حياة الأطفال، ويقلل من خطر الإصابة بالعدوى، ويساعد في معالجة التقزم بشكل عام.
التطعيم: يؤدي إلى زيادة مناعة الجسم، وبالتالي حماية الأطفال من الأمراض المختلفة، وفقاً للجدول الزمني منذ الولادة وحتى سن 18 عاماً.
المكملات الغذائية: ينصح الأطباء بتناول مكملين غذائيين أثبتا فعاليتهما في تحسين نمو الطفل، وهما الزنك وفيتامين "أ".


Google News