mena-gmtdmp

العروس بين فرحة الاستعداد لحفل الزفاف والتوتر الناتج عن الضغوط النفسية

تصوير | محمد سيف Mohammed Seif - العدد | 2153 – السنة | 2022
تصوير | محمد سيف Mohammed Seif - العدد | 2153 – السنة | 2022

يُعدُّ الزواج من أهمِّ المراحلِ الانتقاليَّةِ في حياةِ الإنسان، فهو مناسبةٌ اجتماعيَّةٌ، واحتفالٌ مميَّزٌ، وفي الوقتِ نفسه انطلاقةٌ جديدةٌ مملوءةٌ بالأعباءِ، والتغيُّراتِ العاطفيَّة، والمسؤوليَّاتِ الجديدة. ومن المعلومِ أن التحضيرَ للزفافِ فترةٌ تسودها الفرحةُ والامتنان، لكنَّ عديداً من العرائس يواجهن ضغوطًا نفسيَّةً، تنعكسُ سلباً على صحَّتهن النفسيَّةِ والجسديَّة، إذ تجدُ العروسُ نفسها قبل الحفلِ محاطةً بكثيرٍ من المسؤوليَّاتِ، والقراراتِ، والتجهيزات، ما يجعلُ هذه المرحلةَ من أكثر الفتراتِ حساسيَّةً وتوتُّراً في حياتها.

تبدأ الضغوطُ النفسيَّةُ غالباً فور تحديدِ موعدِ الزفاف حيث تدخلُ العروسُ في سلسلةٍ من التحضيراتِ المتعلِّقةِ بالفستانِ، والفرحِ، والمأدبةِ، والطعامِ، وقائمةِ المدعوين، وتجهيزِ المنزل، وغيرها من الالتزاماتِ التي تتطلَّبُ وقتاً وجهداً كبيرَين.

وفي كثيرٍ من الأحيان تشعرُ العروسُ بأنها مُطالبةٌ بالظهورِ بصورةٍ مثاليَّةٍ في جميع مراحلِ التحضير الأمرُ الذي يدفعُ بعض الفتياتِ إلى مقارنةِ أنفسهن بغيرهن، فتولدُ لديهن مشاعرُ التوتُّر! ثم إن المجتمعَ له دورٌ في زيادةِ هذا الضغطِ عبر تصديرِ الصورةِ النمطيَّةِ للعروسِ المثاليَّة.

ومن أبرزِ أسبابِ القلقِ والتوتُّر التي تواجهها العروسُ تحمُّلُ المسؤوليَّةِ الجديدة، والخوفُ من المستقبل.

وبناءً عليه، تتطلَّبُ مرحلةُ الانتقالِ من حياةِ العزوبيَّةِ إلى الحياةِ الزوجيَّةِ جهداً كبيراً، واستعداداً نفسياً هائلاً، إذ قد يُرافق العروس شعورٌ بالخوفِ من عدم التكيُّفِ في حياتها الجديدة، كما تكثرُ التساؤلاتُ حول طبيعةِ العلاقةِ الزوجيَّة، ونجاحها في بناءِ أسرةٍ مستمرَّةٍ، وكيفيَّةِ التعاملِ مع المسؤوليَّاتِ اليوميَّة.

وهذا الكمُّ الهائلُ من التساؤلاتِ قد يجعلها تعيشُ في حالةٍ من التفكيرِ الزائد والضغطِ النفسي، إضافةً إلى ذلك، تزيدُ الضغوطُ العائليَّةُ بشكلٍ ملحوظٍ التوتُّرَ النفسي لدى العروس فقد تتدخَّلُ بعض العائلاتِ في تفاصيلِ الزفاف، ما يؤدي إلى نشوءِ خلافاتٍ، ترفعُ حالةَ الإرهاقِ النفسي لديها. كذلك قد تُواجه العروسُ ضغوطاً ماديَّةً كبيرةً نتيجةَ التكاليفِ المرتفعةِ للزفاف، خاصَّةً في ظلِّ الظروفِ الاقتصاديَّةِ الصعبةِ التي تُعاني منها عديدٌ من المجتمعاتِ العربيَّة حيث يُصبح السعي إلى تنظيمِ حفلٍ مثالي، أو تجهيزِ منزلٍ متكاملٍ عبئاً نفسياً ومادياً يُثقِل كاهل العروسِ وأسرتها.

تأثير مواقع التواصل في الصحَّة النفسيَّة للعروس

تُؤثِّر وسائلُ التواصلِ الاجتماعي، حالياً، بشكلٍ ملحوظٍ في الصحَّةِ النفسيَّةِ للعروس، وهذا التأثيرُ سلبي في غالبه، إذ تنتشرُ فيها الحفلاتُ الفاخرة، وفيديوهاتُ الزفافِ الراقية، ما يزيدُ من التوتُّرِ لدى بعض العرائس، بالتالي شعورها بعدمِ الرضا والامتنان، لا سيما إذا كان صعباً عليها تحقيقُ الصورةِ التي رسمتها في مخيِّلتها، كما أنها تتلقَّى ضغوطَ المجتمعِ الذي يُحيط بها، وآراءً كثيرةً حول تفاصيلِ مراسمِ الزواج، ما يعودُ سلباً على شخصيَّتها.

وفي هذا الجانبِ، تُؤكِّد ديالا عيتاني، المعالجةُ النفسيَّة، أن «الضغوطَ النفسيَّةَ التي يمرُّ بها الإنسانُ في المراحلِ الانتقاليَّةِ من حياته قد تتسبَّبُ في عدمِ الاستقرارِ العاطفي، وتشتُّتِ التفكير».

وتُشير إلى «ضرورةِ التعبيرِ عن المشاعرِ والأحاسيسِ الصادقة، ودعمِ الصحَّةِ النفسيَّة، إذ ينعكسُ تزايدُ الضغوطِ النفسيَّةِ سلباً على الصحَّةِ العاطفيَّةِ والجسديَّة. ويمكن تطبيقُ هذه الأعباءِ على وضع العروسِ قبل زفافها، إذ إنها، في هذا الوضعِ الحسَّاسِ، في حاجةٍ إلى أجواءٍ مريحةٍ وداعمةٍ تُشعرها بالأمانِ والاطمئنان، وعدمِ التعرُّضِ للانتقاداتِ اللاذعةِ والنقد من قِبل المجتمعِ المحيط بها».

وتُتابع المعالِجةُ: «تنعكسُ هذه الضغوطُ النفسيَّةُ سلباً على صحَّةِ العروسِ بطرقٍ عدة، فهي قد تُعاني من الاكتئابِ، أو القلقِ، أو فقدانِ الشهيَّة، أو تقلُّباتِ المزاج، أو قد تدخلُ في نوباتِ بكاءٍ وتوتُّرٍ شديدٍ! بل قد تتطوَّرُ الضغوطُ النفسيَّةُ إلى حالةٍ من الاكتئابِ الحاد، لا سيما إذا كانت شخصيَّةُ العروسِ مرهفةً، أو دائمةَ القلق، وهذا كلّه يُؤثِّر في مظهرها الخارجي، من ذلك مشكلاتُ تساقطِ الشعر، والشعورُ الدائمُ بالتعب، ما يزيدُ من الضغطِ النفسي لدى العروسِ قبل زفافها».

إليك كيف تتحضر العروس نفسياً لاستقبال حياتها الجديدة؟ اختصاصية علم نفس تُجيب


كيفية تجاوز الأعباء النفسيَّة

يتوجَّبُ على العروسِ أن تتعاملَ مع هذه الأعباءِ النفسيَّةِ حتى تحظى بزفافٍ سعيدٍ، ويكون ذلك حسبَ عيتاني «بالاستعانةِ بعديدٍ من الأساليبِ والطرقِ التي تدعمها لتجاوزِ هذه المرحلةِ بهدوءٍ وسلامٍ داخلي، منها أن تُدرك العروسُ أن المثاليَّةَ غير موجودةٍ، وأن الهدفَ من الزفافِ هو انطلاقةُ حياةٍ مملوءةٍ بالسعادةِ والراحةِ النفسيَّة، وليس تنظيمَ حفلِ زفافٍ نموذجي يخلو من الهفوات، فخفضُ التوقُّعاتِ المُبالَغِ فيها من شأنه تقليلُ التوتُّرِ والقلق. كذلك يُفضَّل وضعُ خطَّةِ عملٍ واضحةٍ للترتيباتِ الزفافيَّة، وإدارةُ الوقتِ بشكلٍ جيِّدٍ لأن الفوضى والتأجيل يزيدان من الشعورِ بالضغط».

وتشرحُ المعالجةُ هذه النقطةَ قائلةً: «عندما تُقسِّم العروسُ المهام، وتُرتِّب الأولويَّات تُصبح أكثر قدرةً على السيطرةِ على الأمور، وأقلَّ عرضةً للقلق، ويمكن أيضاً الاستعانةُ بأشخاصٍ موثوقين، أو أصدقاءِ العروسِ للمساعدة في بعض التحضيراتِ بدلاً من تحمُّلِ كلِّ المسؤوليَّاتِ وحدها».

تصوير | محمد سيف Mohammed Seif - العدد | 2153 – السنة | 2022

نمط حياة العروس

ترى ديالا عيتاني، أن «الحفاظَ على الصحَّةِ النفسيَّةِ والجسديَّةِ مهمٌّ جداً خلال هذه الفترة، ويمكن للعروسِ فعلُ ذلك من خلال النومِ الكافي، وتناولِ الطعامِ الصحِّي، وممارسةِ الرياضةِ، أو المشي، فهذه العاداتُ تُساعد في تحسينِ المزاج، وتخفيفِ التوتُّر. كذلك ممارسةُ التأمُّل، أو تمارينِ التنفُّسِ العميق تُسهم في تهدئة الأعصاب، والشعورِ بالاسترخاء، ثم إن الدعمَ العاطفي يُعدُّ من أهمِّ العواملِ التي تُساعد العروس في تجاوزِ الضغوطِ النفسيَّة، فوجودُ شريكٍ متفهِّمٍ، وأسرةٍ داعمةٍ، وصديقاتٍ مقرَّباتٍ يُخفِّف من شعورها بالوحدةِ والضغط، لذا من الضروري أن تتحدَّثَ العروسُ عن مخاوفها ومشاعرها بدلاً من كبتها في داخلها. ويمكن اللجوءُ إلى مختصٍّ نفسي في حال كانت الضغوطُ شديدةً، أو تُؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ في حياتها اليوميَّة».

وتُضيف: «كذلك ينبغي على العروسِ الابتعادُ عن المقارناتِ السلبيَّةِ عبر وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، لأن كلَّ شخصٍ يعيشُ ظروفه الخاصَّة، وليس من الضروري أن يكون الزفافُ باهظاً، أو مثالياً ليكون ناجحاً وسعيداً، فالقيمةُ الحقيقيَّةُ للزواج تكمنُ في التفاهمِ، والمحبَّةِ، والاستقرارِ النفسي، وليس في المظاهرِ الخارجيَّة».

تابعي أيضًا روتين صحي للراحة النفسية بوصف اختصاصية علم نفس


التوعية النفسية قبل الزواج

تُشدِّد المعالِجة ديالا عيتاني، كذلك، على دورِ التوعيةِ النفسيَّة، فهي من وجهةِ نظرها «من الجوانبِ المهمَّةِ التي يجبُ التركيزُ عليها قبل الزواج، إذ إن كثيراً من العرائسِ يدخلن الحياةَ الزوجيَّةَ دون تحضيرٍ نفسي كافٍ لكيفيَّةِ التعاملِ مع الضغوطِ والتغيُّراتِ الجديدة، لذا أصبحت بعض المؤسَّساتِ والمراكزِ الاجتماعيَّة تُقدِّم جلساتٍ إرشاديَّةً للمقبلين على الزواج، تهدفُ إلى تعزيزِ مهاراتِ التواصل بينهم، وفهمِ المسؤوليَّاتِ المشتركة، وكيفيَّةِ إدارةِ الخلافات بطريقةٍ صحيَّةٍ». وتُتابع: «هذه الجلساتُ تُساعد العروس في الشعورِ بالأمانِ والثقةِ بالنفس، وتُخفِّف من الأفكارِ السلبيَّةِ التي قد تراودها قبل الزفاف».

وتُؤكِّد عيتاني، أن «العاداتِ والتقاليدَ الاجتماعيَّة لها دورٌ كبيرٌ في زيادةِ الضغطِ النفسي على العروس، خاصَّةً عندما يتمُّ تحميلها مسؤوليَّةَ إرضاءِ الجميع، والظهورِ بصورةٍ مثاليَّةٍ أمام المجتمع، إذ تفرضُ بعض العائلاتِ متطلَّباتٍ كثيرةً قد تفوقُ قدرةَ العروسِ النفسيَّةِ، أو الماديَّة، ما يجعلها تشعرُ بالإرهاقِ والتعب، لذا من الضروري أن تتعلَّمَ العروسُ وضعَ حدودٍ واضحةٍ، تُحافظ من خلالها على راحتها النفسيَّة، وأن تُدرك أن سعادتها الحقيقيَّة أهمُّ من إرضاءِ الآخرين».

الاستمتاع بهذه المرحلة

في الختام، يمكن القولُ: إن الضغوطَ النفسيَّة التي تتعرَّضُ لها العروسُ قبل الزفافِ أصبحت ظاهرةً شائعةً نتيجةَ التوقُّعاتِ الاجتماعيَّةِ، والاقتصاديَّةِ، والنفسيَّةِ المحيطةِ بهذه المرحلة، لكنْ التعاملُ الواعي مع هذه الضغوط، وتنظيمُ الأمورِ بطريقةٍ هادئةٍ، والحصولُ على الدعمِ المناسب، يُساعد العروس في الاستمتاعِ بهذه الفترةِ بدلاً من تحويلها إلى مصدرٍ للقلقِ والتعب، فالزواجُ ليس مجرَّد ليلةٍ واحدةٍ، وإنما رحلةٌ طويلةٌ، تحتاجُ إلى الراحةِ النفسيَّة، والتفاهمِ أكثر من حاجتها إلى الكمالِ والمظاهر. والأهمُّ من ذلك، أن تهتمَّ العروسُ بصحَّتها النفسيَّة، وأن تبتعدَ قدر الإمكانِ عن الأفكارِ السلبيَّة، وأن تستمتعَ بمراسمِ الزواج مع شريك حياتها.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط