أصبح الاهتمام بالصحة النفسية في العقود الأخيرة جزءاً أساسياً لا يتجزأ من مفهوم الصحة العامة، بعد أن ظلّ لسنوات طويلة مهمَّشاً أو محصوراً في إطار فردي أو خاص. هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة وعي علمي واجتماعي متزايد بأن الإنسان كيان متكامل، وأن صحته النفسية تؤثر بشكل مباشر على صحته الجسدية، وسلوكه، وإنتاجيته، وعلاقاته، بل وعلى استقرار المجتمعات ككل.
اختصاصية علم النفس فانيسا حداد تُجيب عن سؤال "لماذا أصبح الاهتمام بالصحة النفسية جزءاً من الصحة العامة؟" لـ"سيّدتي".

الترابط الوثيق بين الصحة النفسية والجسدية
أثبتت الأبحاث الحديثة أن الصحة النفسية تؤثر بشكل مباشر على الجهاز المناعي، والقلب، والجهاز الهضمي، والنوم، وحتى الاستجابة للألم. فالاكتئاب والقلق المزمنان، على سبيل المثال، يرتبطان بارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وضعف المناعة. كما أن التوتر المستمر يرفع من هرمونات الإجهاد في الجسم، ما يؤدي مع الوقت إلى أمراض جسدية مزمنة. لذلك، لم يعد من الممكن الحديث عن صحة جسدية جيدة دون استقرار نفسي.
الانتشار الواسع للاضطرابات النفسية
تشير الإحصاءات العالمية إلى أن واحداً من كل أربعة أشخاص سيعاني من اضطراب نفسي في مرحلة ما من حياته. الاكتئاب، القلق، الإدمان، واضطرابات ما بعد الصدمة أصبحت شائعة بشكل ملحوظ، خاصة في ظل الحروب، الأزمات الاقتصادية، الكوارث، وجائحة كورونا. هذا الانتشار الواسع جعل من الصحة النفسية قضية عامة، وليست مشكلة فردية معزولة.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي
للصحة النفسية أثر كبير على الإنتاجية في العمل، والتحصيل الدراسي، والاستقرار الأسري. فالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية غير مُعالجة يكونون أكثر عرضة للغياب عن العمل، أو ضعف الأداء، أو البطالة. كما أن الاضطرابات النفسية قد تؤدي إلى تفكك العلاقات الأسرية، والعنف، وسوء التربية، ما يخلق أجيالاً تعاني من نفس المشكلات. لذلك، فإن الاستثمار في الصحة النفسية يُعد استثماراً في الاقتصاد والمجتمع.
تغيّر نظرة المجتمعات والوصمة المرتبطة بالصحة النفسية
في الماضي، كانت الأمراض النفسية تُقابَل بالخوف، أو الإنكار، أو الوصم الاجتماعي، ما كان يمنع الكثيرين من طلب المساعدة. اليوم، ومع ازدياد الوعي، وانتشار حملات التثقيف، ودور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بدأت هذه النظرة تتغيّر تدريجياً. وأصبح الحديث عن القلق، والاكتئاب، والضغط النفسي أكثر قبولاً، ما شجّع الأفراد على طلب الدعم، وساهم في إدماج الصحة النفسية ضمن السياسات الصحية العامة.
دور الوقاية وليس العلاج فقط

أحد أهم أسباب إدراج الصحة النفسية ضمن الصحة العامة هو التحوّل من التركيز على العلاج فقط إلى التركيز على الوقاية. تعزيز مهارات التكيّف، والمرونة النفسية، وإدارة الضغوط، وبناء الدعم الاجتماعي، كلها عوامل تقلّل من احتمالية الإصابة باضطرابات نفسية.
المدارس، والجامعات، وأماكن العمل أصبحت ساحات أساسية لتطبيق برامج وقائية تعزّز الصحة النفسية منذ سن مبكرة.
تأثير الصحة النفسية على الأطفال والشباب
الطفولة والمراهقة مراحل حاسمة في تكوين الشخصية. إهمال الصحة النفسية في هذه المراحل قد يؤدي إلى مشاكل طويلة الأمد مثل السلوك العدواني، الإدمان، التسرب المدرسي، أو اضطرابات نفسية مزمنة. لذلك، أصبح الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال والشباب أولوية في الصحة العامة، لما لها من تأثير مباشر على مستقبل المجتمع.
الأزمات العالمية وتسارع وتيرة الحياة
العالم اليوم يعيش إيقاعاً سريعاً وضاغطاً: منافسة عالية، ضغوطاً اقتصادية، عدم استقرار سياسي، وتدفّقاً معلوماتياً هائلاً. كل هذه العوامل زادت من مستويات التوتر والقلق لدى الأفراد. ومع الأزمات المتلاحقة، أصبح من الواضح أن تجاهل الصحة النفسية يُفاقم آثار الأزمات بدل احتوائها.
الصحة النفسية جزء من الصحة العامة: خاتمة
إن إدراج الصحة النفسية ضمن الصحة العامة لم يعد خياراً، بل ضرورة إنسانية ومجتمعية. فمجتمع يتمتع أفراده بصحة نفسية جيدة هو مجتمع أكثر تماسكاً، إنتاجية، وقدرة على مواجهة التحديات. الاهتمام بالصحة النفسية هو اهتمام بكرامة الإنسان، وجودة حياته، ومستقبل الأجيال القادمة. لذلك، فإن تعزيز الوعي، وتوفير الخدمات النفسية، ودمجها في السياسات الصحية العامة هو خطوة أساسية نحو صحة شاملة ومستدامة.
*ملاحظة من "سيّدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج استشارة طبيب مختص.





