في زمنٍ، تُقاس فيه القيمةُ بعددِ الإنجازاتِ في أقلِّ وقتٍ، ويُختزَلُ النجاحُ في السرعةِ، واللحاقِ الدائمِ بما هو مقبلٌ، صار البطءُ تهمةً، تحتاجُ إلى دفاعٍ! غير أن التأمُّلَ العميق، يكشفُ أن البطء، ليس نقيضَ التقدُّم، بل هو شرطٌ من شروطِ الفهم، وأن التأنِّي، ليس عجزاً عن الحركة، وإنما وعي باتِّجاهها ومعناها، كما تُوضح لـ «سيدتي» هديل سامي، المرشدةُ النفسيَّة، في هذا المقال.
حين كانت الحياة أبطأ بطبيعتها
لقد علَّمنا عصرُ السرعةِ أن نمرَّ على الأشياءِ مرورَ العابرين: نقرأُ بسرعةٍ، ونعملُ بسرعةٍ، ونحبُّ بسرعةٍ، ثم نغادرُ بسرعةٍ أكبر، تاركين خلفنا تجاربَ ناقصةً، وطعماً باهتاً للحياة.
ومع هذا التسارعِ المحموم، نفقدُ القدرةَ على التذوُّقِ، تذوُّق اللحظةِ، والمعنى والذات، وهنا تبرزُ فضيلةُ البطءِ بوصفها فعلَ مقاومةٍ هادئاً، واختياراً واعياً لاستعادةِ إنسانيَّتنا وسطَ ضجيجِ الإيقاعِ المتسارع.
إن البطء، ليس دعوةً إلى الكسلِ، أو التراخي، بل هو فنٌّ في العيش، فنُّ الإصغاءِ لما يحدثُ داخلنا وحولنا، وفنُّ منحِ التجاربِ حقَّها الكاملَ في النضج. هو أن نعيشَ اللحظةَ لا بوصفها جسراً لما بعدها، وإنما قيمةٌ قائمةٌ بذاتها. ومن خلال هذا الفنِّ، نتعلَّمُ كيف نرى ما كنا نتجاوزه، ونشعرُ بما كنا نهمله، ونفهمُ أنفسنا والعالمَ بعمقٍ أكبر.
ومن هنا تنطلقُ هذه الصفحات، لتتأمَّلَ فضيلةَ البطءِ في عصرِ السرعة، لا بوصفها حنيناً إلى الماضي، بل بوصفها حكمةً معاصرةً، تُمكِّن الإنسانَ من تذوُّقِ الحياة بدلَ استهلاكها، ومن العيشِ بامتلاءٍ بدلَ الجري الدائمِ نحو فراغٍ جديدٍ، كما تشيرُ هديل سامي في بدايةِ حديثها.
وتضيفُ المرشدة: «تخيَّل نفسك في القرنِ الـ 18، أو أوائلِ القرنِ العشرين حيث لا هواتفَ ذكيَّةً، ولا بريداً إلكترونياً، ولا جدولاً يومياً مزدحماً بالإشعارات. الحياةُ كانت تتبعُ إيقاعَ الطبيعة: شروقُ الشمس وغروبها، ومواسمُ الزراعة، وساعاتُ العملِ اليدوي، واللقاءاتُ الحيَّة. الناسُ كانت تعيشُ وفق إيقاعٍ طبيعي، يسمحُ بالراحةِ، والتأمُّلِ، والتمتُّعِ باللحظاتِ الصغيرة. وفي هذا الجانبِ، أظهرت دراسةٌ تاريخيَّةٌ عن أوروبا في القرنِ الـ 19 أن متوسِّطَ ساعاتِ العملِ الأسبوعيَّة، كان نحو 50 ساعةً، لكنَّ النوعيَّةَ كانت مختلفةً: فتراتٌ طويلةٌ للراحةِ والتواصلِ الاجتماعي، وأنشطةٌ يوميَّةٌ بطيئةٌ بطبيعتها. بل إن الطعامَ، والسفرَ، والتعليم، كان لها إيقاعُها البطيء، فالرسائلُ تصلُ بعد أسابيع، والسفرُ يستغرقُ أياماً، والتعليمُ يعتمدُ على التفاعلِ المباشر، والتجاربِ العمليَّة. كلُّ هذا منحَ الإنسانَ مساحةً ليستمتعَ باللحظة، ويتواصل مع مَن حوله بعمقٍ».
كيف سرّعنا الزمن دون أن نشعر؟
مع الثورةِ الصناعيَّةِ في القرنِ الـ 19، تحوَّلَ الزمنُ إلى سلعةٍ ثمينةٍ. المصنعُ، أصبح يُحدِّد إيقاعَ الحياة، والساعةُ الدقيقة، صارت معيارَ الإنتاج! أمَّا القرنُ العشرون، فجاء مع الثورةِ التكنولوجيَّة: الهاتفُ، والتلفازُ، والحاسوبُ، والإنترنت، وأخيراً الهواتفُ الذكيَّة، واليوم، يُشير الإحصاءُ إلى أن الشخصَ العادي، يقضي نحو 4.8 ساعة يومياً على الهاتف، ويصلُ هذا عند الشبابِ أحياناً إلى أكثر من سبعِ ساعاتٍ أمامَ الشاشات! وكلُّ هذا يخلقُ شعوراً مستمراً بالعجلة، ويترافقُ مع ضغطٍ داخلي: «إذا لم أنتج، أو أتابع كلَّ شيءٍ، فأنا متأخِّرٌ!».
وتتابعُ هديل: «الجيلُ Z الذي نشأ في هذا العالمِ الرقمي المتسارع، هو الأكثرُ تأثُّراً بهذا النمط. كثيرٌ منهم يعاني من القلقِ الرقمي المستمرِّ، والإرهاقِ النفسي، وهو ما يجعلهم يبحثون عن طرقٍ جديدةٍ للسيطرةِ على حياتهم، وإعادةِ الاتِّصالِ باللحظة».
ما رأيكِ اختصاصية تغذية: المكملات الغذائية ليست ضرورية للجميع..فكيف يمكن الاستفادة منها؟ "فيديو".
ما المقصود بالحياة البطيئة؟

الحياةُ البطيئة، ليست مجرَّد العيشِ ببطءٍ، أو التوقُّف عن العمل، بل هي أسلوبُ حياةٍ واعٍ، يُركِّز على الجودةِ بدل الكم، والوعي بدل الاندفاع. هي:
- الاستمتاع باللحظة الجارية: التركيزُ على ما تفعله الآن سواء كان تناولَ وجبةٍ، أو التحدُّثَ مع صديقٍ، أو حتى مجرَّد التنفُّسِ بهدوءٍ.
- اختيار الأولويات بوعي: معرفةُ ما هو مهمٌّ لك فعلاً، وتجاهلُ الانشغالاتِ غير الضروريَّة، أو المقارناتِ المستمرَّة.
- التوازن بين الإنتاجية والراحة: العملُ بتركيزٍ وفاعليَّةٍ مع احترامِ وقتِ الراحة، والتجدُّدِ الذهني.
- الابتعاد عن السطحية الرقمية: إدارةُ الوقتِ على «السوشال ميديا»، وتخصيصُ وقتٍ للأنشطةِ التي تُغذِّي النفسَ والعلاقات.
- الوعي بالذات والعالم من حولك: الاهتمامُ بالعلاقاتِ، والطبيعةِ، والجسدِ بدلاً من العيشِ في "سباقٍ لا نهايةَ له". باختصارٍ: الحياةُ البطيئة، تعني القدرةَ على العيشِ بشكلٍ كاملٍ وواعٍ بدل أن نكون مجرَّد متابعين للوقتِ، أو الضغطِ المجتمعي.
من «السرعة = النجاح» إلى «الهدوء = الوعي»
الحركةُ البطيئة، بدأت بوصفها ردَّ فعلٍ ضد التسارعِ المستمر. في إيطاليا، مثلاً، ظهرت حركةُ Slow Food في الثمانينيَّات، لتُعيدَ تعريفَ العلاقةِ مع الطعامِ والطبيعة، ولاحقاً توسَّعت هذه الفكرة، لتشملَ العملَ، والتعليمَ، والسفرَ، وحتى الترفيه. وتشيرُ أبحاثٌ حديثةٌ إلى أن مَن يمارسون أسلوبَ الحياةِ البطيئة، يحقِّقون رضا نفسياً أعلى بنسبةِ 23%، ويشعرون بإرهاقٍ أقلَّ بنسبةِ 30% مقارنةً بمَن يعيشون وفقَ إيقاعٍ سريعٍ دائماً.
ويقودُ الجيلُ Z هذا التحوُّلَ بوعي، وبالنسبةِ لهم، البطءُ لا يعني التخلِّي عن الإنجاز، وإنما اختيارُ الطريقةِ التي يعيشون بها، بما يتوافقُ مع صحَّتهم النفسيَّة، والوعي الذاتي. عليه، أصبحت بدايةُ العامِ الجديدِ فرصةً لهم لوضعِ نيَّاتٍ للعيشِ ببطءٍ، ووعي، واستمتاعٍ بالرحلةِ بدل الركضِ وراءَ الإنجازِ فقط.
يمكنكِ متابعة الموضوع على التسخة الديجيتال على هذا الرابط
لماذا يتبنّى الجيل الجديد الحياة البطيئة تحديداً؟
الجيلُ الجديد، يشهدُ ضغطاً رقمياً مستمراً، ومقارنة دائمةً على «السوشال ميديا»، ويعيشُ أسلوبَ حياةٍ سريعاً وغير متوازنٍ! وتشيرُ دراساتٌ إلى أن نحو 40% من الجيلِ Z يعاني من شعورٍ مستمرٍّ بالضغطِ النفسي، وأن 25% يعانون من القلقِ المزمن، لذا تمنحهم الحياةُ البطيئةُ فرصةً للراحةِ النفسيَّة، والابتعادِ عن الضوضاءِ الرقميَّة، وإعادةِ الاتِّصالِ بالعلاقاتِ الواقعيَّة، والأشياءِ التي تمنحهم معنى حقيقياً في الحياة، فالأنشطةُ البسيطةُ مثل المشي في الطبيعة، وإعدادِ الطعامِ بوعي، والقراءةِ دون مقاطعاتٍ، تُخفِّض مستوياتِ التوتُّر، وتزيدُ شعورَهم بالرضا الذاتي.
الجيل Z وعام جديد: أولويات مختلفة عن الأجيال السابقة
في بدايةِ كلِّ عامٍ، كان كثيرٌ من الناس، يضعون قوائمَ طويلةً من الأهداف: النجاحُ الأكاديمي، والترقيةُ، والأداءُ المثالي، وغيرها، لكنْ الجيلُ Z، يُغيِّر القاعدة، فالتركيزُ أصبح على النيَّةِ والوعي أكثر من الكمِّ، أو الضغط، والقراراتُ الجديدة، تتضمَّنُ نواحي عدة، منها:
• تخصيصُ وقتٍ للتأمُّلِ، أو تمارينِ التنفُّس.
• ممارسةُ الرياضة بوعي، وليس بوصفها واجباً صارماً.
• التفاعلُ الاجتماعي العميقُ بدل التواصلِ السطحي.
• إدارةُ استخدامِ التكنولوجيا، والابتعادُ عن الإشعاراتِ المستمرَّة.
وقد وجدَ استطلاعٌ عالمي، شمل 2000 شخصٍ من الجيلِ Z في 12 دولةً أن 60% منهم يريدون التركيزَ على الصحَّةِ النفسيَّة، والتوازنِ بدلَ الإنجازِ المستمر.
من المهم التعرّف الى لماذا أصبح الاهتمام بالصحة النفسية جزءاً من الصحة العامة؟.. تابعي الإجابة مع اختصاصية.
الحياة البطيئة من منظور نفسي واجتماعي ومهني
الجهدُ المستمر، يرفعُ مستويَّاتِ الكورتيزول، ويُسبِّبُ القلقَ، واضطراباتِ النوم، والإرهاقَ النفسي، وعليه، يُسهم ممارسةُ البطء، خاصَّةً لدى الجيل Z، في تنشيطِ الجهازِ العصبي المسؤولِ عن الاسترخاء، وخفضِ ضغطِ الدم، وزيادةِ السلامِ الداخلي بنسبةِ 25% إلى 30%. البطءُ، يُعيد لهم الحضورَ الذهني، ويكسرُ دورةَ الاستجابةِ المستمرَّة للضغطِ الرقمي والمجتمعي.
ويميلُ الجيلُ Z للعلاقاتِ النوعيَّةِ بدلَ الكم، فالحياةُ البطيئة، تُشجِّع على الانسحابِ الواعي، وتخصيصِ الوقتِ للعلاقاتِ العميقة، والأسرُ التي تتبنَّى أنشطةً بطيئةً مشتركةً مثل قراءةِ القصصِ للأطفال، أو تناولِ وجباتٍ دون هواتف، تُعزِّز الترابطَ العاطفي، وتُحسِّن الصحَّةَ النفسيَّةَ لكلِّ أفرادها.
والبطءُ هنا لا يعني ضعفَ الأداء، بل بالعكس، الموظَّفون الذين يمارسون الإنتاجيَّةَ الواعيَّة، ينجزون أكثر، ويترافقُ ذلك مع انخفاضِ الإرهاقِ بنسبة 40%. والجيلُ Z، يُفضِّل العملَ المرن، والمهامَّ المركَّزة، والابتعادَ عن الاجتماعاتِ غير الضروريَّة، مؤكدين أن التركيزَ على الجودةِ أهمُّ من الكم.
هل الحياة البطيئة تعني التراخي أو قلة الطموح؟
البطءُ، ليس خمولاً، وإنما ذكاءٌ عاطفي ونفسي. الجيلُ Z، يختارُ أين يسعى، ومتى يتوقَّفُ للتقييم، والنتيجةُ: إنجازٌ أعمق، وعلاقاتٌ أفضل، ووعي أكبر باللحظة.
وفي عالمِ «السوشال ميديا» حيث تظهرُ حياةُ الآخرين بشكلٍ مثالي ومصفَّى من السهلِ أن يُقارن الإنسانُ نفسه بشكلٍ مستمرٍّ، وأن يشعرَ بأنه "متأخِّرٌ"، أو غير كافٍ! فالسعي وراءَ الكمالِ في كلِّ جانبٍ من الصورِ الشخصيَّةِ إلى الإنجازاتِ الدراسيَّةِ، أو المهنيَّة، يزيدُ الضغطَ النفسي، ويجعلنا ننسى اللحظةَ الحقيقيَّةَ التي نعيشها.
وهنا، تعملُ الحياةُ البطيئةُ بوصفها سلاحاً ضد هذه المقارنةِ المستمرِّة: فهي تُعلِّمنا أن نُقيِّم تقدُّمنا بناءً على معاييرنا الخاصَّةِ لا على حياةِ الآخرين على الشاشة. إنها تُتيح لنا التركيزَ على الإنجازِ الحقيقي بدلاً من صورةِ الإنجاز، وعلى جودةِ اللحظةِ بدلَ الكمِّ الهائلِ من الأنشطةِ والمهام.
والجيلُ Z، يختارُ البطء، ليس لأنه أقلُّ طموحاً، بل لأنه يريدُ أن يعيشَ الإنجازَ بوعي، وأن يكون حاضراً في رحلته، وأن يحمي صحَّته النفسيَّةَ من فخِّ الكماليَّةِ المستمرَّة، والمقارناتِ الرقميَّة. البطءُ إذاً، هو تمكينٌ، وذكاءٌ، واختيارٌ واعٍ للحياةِ بدلَ الانغماسِ في سباقٍ لا نهايةَ له.
كيف تطبّق الناس الحياة البطيئة فعلياً؟
- تناولُ الوجباتِ بوعي مع إيقافِ الهواتف.
- أداءُ تمارينِ التنفُّسِ، أو التأمُّلِ لمدةِ عشرِ دقائقَ يومياً.
- تخصيصُ ساعةٍ يومياً للقراءةِ، أو المشي في الطبيعة.
- تقليلُ تعدُّدِ المهام، والتركيزُ على مهمَّةٍ واحدةٍ.
- التواصلُ الاجتماعي العميقُ والممتع بدل التصفُّحِ السطحي.
يعمد الجيلُ Z إلى ممارسة ما يعرف بنشاطات Mindfulness ،Journaling، وDigital Detox كجزءٍ من هذا النمط.
هل الحياة البطيئة اختيار أم ضرورة نفسية؟
بالنسبةِ إلى الجيلِ Z، البطءُ هو كلاهما: اختيارٌ واعٍ لتحسينِ جودةِ الحياة، وضرورةٌ لمواجهةِ القلقِ الرقمي، والضغطِ المستمر. الحياةُ البطيئة، هي دعوةٌ لإعادةِ اكتشافِ الذاتِ، واللحظةِ، والمعنى الحقيقي للوقت، وبالنسبةِ إلى الجيلِ Z، هي حركةٌ ثقافيَّةٌ ونفسيَّةٌ، تُعيد تعريفَ معنى النجاح: ليس بكميَّةِ الإنجاز، بل بجودةِ اللحظاتِ، والوعي الذاتي، والتوازنِ النفسي والاجتماعي.
ينصح بمتابعة الدكتورة السعودية بدور بنت شباب المطيري تتوج بجائزة المرأة العالمية في المجال الصحي.
